رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة

(الجزائر، الثلاثاء 2 مايو 2017)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السـادة الأفـاضـــل،

في مثل هذه الـمناسبة، لا يليق الخوض في الحديث إليكم دون الوقوف وقفة العرفان والامتنان لأولئك الصحافيين الجزائريين الذين رافقـوا ثورتنا الـمظفرة مناضلين بأقلامهم و بأصواتهم وأفلامهم التي شحذت عزيمة شعبنا طيلة كفاحه من أجل استقلاله عبر جريدة الـمجاهد التاريخية و جريدة الـمقاومة، و صوت الثورة الجزائرية من إذاعات تونس و القاهرة والناظور بالـمغرب الشقيق.

لقد كانت مساهمة تلكم الأصوات، و تلكم الأقلام، وتلكم الأفلام، في كفاحنا من أجل الاستقلال أداة قوية لجلب قدر من الـمؤازرة، والتعاطف، و الدعم، و الـمساندة لقضيتنا الوطنية تجاوز نطاقه البلدان الشقيقة و الصديقة التي وقفت إلى جانبنا في كفـاحـنا بشتى الوسائل.

و على سنة الرعيل الثوري من إعلاميينا ناضل رجال و نسـاء إعـلام الجـزائر الـمستقلة نضالا يستحقون عليه تحية التقدير و الإكبار إذ ساهموا بنصيبهم في بناء دولتنا الـمستقلة طـوال عقود من الزمـن.

أجل، في جزائر اليـوم، التي تزخـر بقـرابـة مائتي جريدة و شتى القنـوات التلفزيـونية، يجب ألا ننسى ما كان مطلوبًا من مهنيي الإعـلام، الذين كانوا قلائل  في بلادنا، لتشغيل الإذاعـة والتلفزيون، بعد رحيل الـمستعمر، وإعطـاء انطـلاقة قوية لوكالة الأنبـاء الجزائرية.

أجل، يجـب ألا ننسى اليوم كل ما كان مطلوبا من  الإعلاميين، رجـالا ونسـاءً، من جهود وتضحيات في غضون السنوات الأولى بعد استقلالنا، لكي يتكفلوا بإيصال الأخبار، واستنهاض الهمم، عبر ربوع بلادنا الـمترامية الأطراف، و هي مسـاهمة كان لها، على قـلة الإمكـانيـات الـمادية والبشرية، مفعول له بال في إنجاح الشروع في إعمار البلاد في مختلف الـمجـالات.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السـادة الأفـاضـــل،

وأنا أخاطبكـم حـول الـمسيرة الـحافلة الذي قطعتها منظومتنا الإعلامية، أترحـم بخشوع وإجـلال على أرواح شهداء الواجـب الوطني من رجـال ونسـاء الإعـلام الذين بلغ عددهم أكثر من مائة (100) شهيد راحوا ضحايا الإرهـاب الهمجي الـمقيت لا لسبب سوى لقيامهم بمهمتهم الإعلامية، مهمة زرعـت الأمل في انتصار الجزائر واستعادة عافيتها، مهمة أكدت للعالـم أن الشعب الجزائري، رغم أنه كان في شبه عزلة يكابد ويلات الـمأسـاة الوطنـية، شعـب حـريص كل الحرص على أمن واستقرار بلاده، و على إعمارها و تنميتها، شعـب تمكن فعلاً من تضميد جراحه، و لـمّ شمله بفضل الـمولى جلّ و علا، و بفضل جنوحه إلى سياسة الوئام و الـمصالحة الوطنية.

يحق للجزائر أن تعتّز اليوم بما قطعته من أشواط في مجـال الإعـلام وحرية التعبير. إنها أشـواط نسجل فيها تواتر التخرج السنوي لدفعات من بنات وأبناء وطننا في سائر اختصاصات الإعـلام. إنها أشواط تميّزت، كذلك، بوضع نصوص تسوغ حـرية التعبير و حقـوق الصحفيـين والـمواطنيـن في إعـلام مهني، و ما الدستور الـمعدل، الذي تمت الـمصادقة عليه السنـة الـماضيـة، إلا شاهـد على ذلك، كما يشهـد على نفـس الاتجـاه تعديل التشريع الجـزائي ليصبح خاليا من أي حكم يعاقـب مهنيي الإعـلام بحرمانهم من الحرية.

لا غرو أن مسؤولية الارتقاء بمهنة الصحافة إلى درجات أعلى من الاحترافية لا تقع على عاتق الدولة وحدها. ذلك أنه يتعيـن على الـمؤسسات العامة و الخاصة الـمخول لها، التي تشرف مباشرة على عمل الصحفييـن، أن توفر لهم الـمناخ الـمواتي بعيدا عن أي ضغط، كما عليها أن تعمل على مراعاة كل القوانيـن التي تحكم وتضبط قواعد الـمهنة مع الالتزام بملاحظات وتوصيات كل من سلطة ضبط السمعي البصري وسلطة ضبط الصحافة الـمكتوبة، حيـن يتم تـنصيبها. هاتان الهيئتان نراهن عليهما في متابعة الخطاب الإعلامي و مرافقته بما يحفظ البلاد من كل استغلال سياسي أو حزبي ضيق، وبالشكل الذي يضمن أن تبقى مكونات شخصية الشعب الجزائري رصيدا ثقافيا و اجتماعيا مشتركا في منأى عن الصراعات والخلافات السياسية. و من ثمة، ما فتئنا نحبذ أن يتسم الخطاب الإعلامي بالهدوء و الرزانة و الاتزان، خاصة و نحن، في هذه الـمرحلة من تاريخ بلادنا، نسعى إلى طي الـمسافة نحو تعزيز مكتسباتـنا الديمقراطية من خلال تجديد تركيبة مجلسنا الشعبي الوطني و بعده مجالسنا الشعبية الـمحلية.

يحـق للجـزائريين و الجزائريات أن يفتخروا بتنوع مشهد إعلامنا الـمكتوب، و الـمرئي والـمسموع، و الإلكتروني، الذي وصلت إليه الجزائر، و الذي يجعلنا، رغـم الانتقادات الـمجحفة التي تأتينا من بعض الأصـوات الـمغرضة في الخارج  جديرين بأن نكون حقًا في طليعـة الإعـلام، و حـرية الإعـلام، في فضـاءاتنا الإسلاميـة والعـربية والإفريقيـة.

ولكن هـذا لا يسوغ لنا أن نغتر بالـمشوار الذي قطعناه في مجال حرية الإعلام، و إن كنا نعتز به أيما اعتـزاز، بل لا مناص من مواصلة الجهود لامتـلاك الخبـرة العـاليـة التي لا تأتي إلا بطول الـممارسة و التجـربـة، وبالـمعرفـة التي ليس لها حدود. فالذي اكتسبناه ما يزال في حاجة إلى الـمزيد مـن الإنضاج. كمـا أن الظـروف التي تعمل فيها أسـرة الإعـلام ما تزال في حاجـة إلى التحسيـن لكـي تصـل إلى ما يضمنه القانون من حيث حقـوق الصحافيين منها الاجتماعية.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السـادة الأفـاضـــل،

 في مثل هذا اليوم، يملي علي الواجب أن أخاطب أسرتنا الإعلامية، من حيث أنها كانت، ولا تزال، شاهدة على النقلات السياسية و التحولات الديمقراطية التي حققتها الجزائر، وعليمة بما يدور حولنا و يتهدد أمننا واستقرارنا، و أهيب بها أن تكون على قدر عال من التبصر و اليقظة، وهي تسهم بنصيبها في مسعى استكمال بناء الجزائر الحديثة و الوصول بالـصرح الديمقراطي إلى مداه الأرقى على ضوء القيم و الـمثل والحقوق و الواجبات التي جاء بها الدستور الـمعدل، ذلك أن الـمرافقة الإعلامية الحيادية، الـموضوعية، النزيهة، التي يحدوها الوعي والضمير الـمهنييـن من شأنها أن تعزز عمل الـمؤسسات الـمنتخبة التي تعتبر حجر أساس في كل عملية ديمقراطية سليمة القصد و الـممارســـة.

إن ميدان الإعـلام و الاتصال هو من أهـم فضاءات الـمنافسة و محاولة الهيمنة في عالـمنا الـمعاصر، و من ثمـة، فـإن جهد الجـزائر لتـرقيـة إعـلامـهـا إنما هــــــو لإثبـات وجـودنا الحــــضـاري والسياسـي في عهد العولـمة التي لا ترحم، و خـدمة لـمصلحتـنا الوطنية.

من أجل ذلك، ما انفكت الدولة الجزائرية تعمل على تمكيـن الصحافة من الاضطلاع بدور محوري في مسار تنميتنا، بحيث تصبح فاعلة متفاعلة مع مختلف البرامج التـنموية. و لذلك لا مناص من مواصلة الجهود الـمادية والـمعنوية الرامية إلى الإرتقاء بدور الإعلام إلى مراتب أعلى، بحيث يدلي بدلوه هو الآخر، حساً و معنىً، في التنمية الشاملة للبلاد، و لا يقتصر دوره على نقل الخبر و نشره فحسب، و إنما يتعداه إلى صنع الرأي العام بكل مسؤولية و إخلاص و تفان، وتعميم الحس الـمدني وقيم الـمواطنة.

إنه لزام أن يتسع أفق الإعلام الجزائري ويرتقي بحيث يصبح أكثر فأكثر إعلاما مُوَاطِنًا يسهم في بناء سد منيع يصد كل خطر يتهدد الوطن والـمواطن، و في الحفاظ على الـمكتسبات السياسية و البناء الديمقراطي الذي دفعت الجزائر في سبيله الآلاف من الشهداء والضحايا .

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السـادة الأفـاضـــل،

إنني كلي ثقة في  أنكم، رجـالاً و نسـاءً ، على اختلاف مشـاربكم وتوجهاتكم السياسيـة، تغارون، مهما كانت الأحوال و الظروف، على وطنكـم وتحرصـون على استـقراره و تقـدمـه لأنـه ما لكم من وطـن سوى الجزائر و ليس لأي منكم مستقبل زاهـر خارج الجزائر.

مـن حقكـم، سياسيـا، أن تكـونـوا في صـف الأغلبية أو من أنصـار الـمعارضة، و هو حـق مشـروع نصّ عليه دستـورنا بصـريـح العبـارة، حـق وليـد كفاحنا من أجل الاستقلال، و جهدنا من أجل بناء ديمقراطية تعددية.

ففي كنف هذا التنوع للآراء والأفكار الذي هو سمة العناوين و مصادر الخبر في بلادنا، أستنهض حسكم الوطني لكي تسخروا مهاراتكم واحترافيتكم من أجل تقديم خدمات نافعة مفيدة لشعبكم و دولتكم.

أناشدكم أن تراعوا دوركم في الحفاظ على استقرار الجزائر و وحدتها، والاستمرار في توعية الـمواطنين بمخـاطـر الإرهـاب، و حيـال كـل الأزمـات التي تحيط بنا والـمؤامرات التي قد تدبر ضد بلادنا.

وأهيـب بكـم أيضا أن تسهموا في الحفـاظ على هويتـنا الوطنـية الإسلاميـة العربية الأمازيغية، هوية علينا جميعا أن نضعها في مأمن من أي محـاولة لتلويثها أو استعمالها ضد وطنكم الجزائر الواحدة الـموحدة.

 

أهيـب بكم أيضا، معشر أعضاء أسرتنا الإعلامية الأفاضل، أن تغذوا النقـاش حـول الرهانات الاقتصادية التي تفرضها العولـمة على جمـيـع شـعـوب الـمعـمـورة. إن أي مجتمع مدرك للحقائق الاقتصـادية والاجتماعيـة السائدة في بلاده، و مطلـع على ما هي عليه في العالـم، هو مجتمع يمكن له التجنّد عن علـم و دراية للعمل والبناء و التشييد لكي يلتحق بركب الـمجتمعات الـمتقدمة.

 

و في هـذا اليـوم الـمشهود، اليـوم العالـمي لحرية الصحافة، أهيـب بكم، بوجه خاص، أن تتمسكوا بِمُثُلِ مهنتكم السامية وقيمها وقواعدها، مهنتكم التي تظل، حتى و إن كانت مهنة لا تخلو من الـمتاعب، مهنة شريفة مـا دامت متمسكة بوصف الحقيقـة  و نقلها بأمـانة للناس، ولا أحسبكم إلا عنـد حسن ظـن شعبكـم ، أهـل صـدق وأمـانـة.

 

هذا، و لا أختم رسالتي هذه دون أن أهنئكم  بعيدكم العالـمي هذا و أهنئ الشعب الجزائري بإعلامه الـمتوثب إلى بلوغ أرقى مراتب الاحترافية، وإلى جعل الجزائر تباهي به الأمم.