رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة إحياء اليوم العالمي للمرأة

(الجزائر، الأربعاء 8 مارس 2017)

 

بسم الله الرحمن الرحيم،

والصلاة والسلام على سيدنا محمد،

وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين،

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

يسعدني أن أتوجه إليكن بأحر التهاني وأخلص الأمنيات بمناسبة إحياء العيد العالمي للمرأة.

بالفعل، إن وقفتنا السنوية هذه بمناسبة يوم 8 مارس ليست وقفة تقليدية فحسب، بل هي فرصة للوقوف على دور ومكانة ومستقبل المرأة في بلادنا.

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

أجل، لقد كتبت ابنة الجزائر صفحات ذهبية طوال مسار شعبنا عبر التاريخ، ومن واجبنا هنا أن نقف وقفة ترحم وإجلال على أرواح بطلات مقاومة شعبنا منذ الغزو الاستعماري، وبنات بلادنا اللواتي سقطن شهيدات إبان ثورة نوفمبر المظفرة. كما نتوجه بالتحية والتقدير إلى أخواتنا المجاهدات اللواتي كن من بين صناع حرية الجزائر، وكن كذلك قدوة في مسار البناء والتشييد في ظل الاستقلال والحرية.

نعم، أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل، لقد كانت المرأة شريكا فعالا في إعادة بناء الجزائر بعد دمار وخراب المستعمر، وكذا في انطلاق مسار التشييد والإعمار الذي صنع تدريجيا الجزائر المعاصرة في مختلف المجالات.

إن هذه الملحمة لنضال المرأة في الجزائر عبر القرون والعقود قابلها حرص الدولة لمواكبة ترقيتها في مختلف الفضاءات، الذي توج بتعميم تدريس بناتنا في مختلف ربوع الوطن، وحتى احتكارهن الجزء الأكبر في جامعاتنا، ونفس الجهد كلل بوجود قوي للنساء في أسلاك التعليم والصحة وحتى في مجالات سيادية مثل القضاء وأسلاك الأمن، وفي الجيش الوطني الشعبي.

إن هذه النقلات المتتالية هي وليدة إرادة سياسية قوية سمحت بتعزيز مكانة بنات الجزائر في حقل السياسة على غرار وجود ما يقارب 32 % من النساء في العهدة الأخيرة للمجلس الشعبي الوطني.

وهي نسبة تتجاوز مكانة المرأة في بعض البرلمانات لدول متقدمة في شمال المعمورة. ونأمل في نفس الوقت أن تسجل تقدما آخر خلال الإنتخابات التشريعية المقبلة.

وفي نفس المنوال، فإن عزمنا الراسخ عرفانا بكفاح ونضال بنات بلادنا وتقديرا للمجهودات التي استمرت في تكوينهن، كان وسيظل وراء حرصنا لترقية مكانة المرأة في مناصب المسؤولية وفي جميع فضاءات التشغيل وخلق الثروة في بلادنا.

بالفعل، نسجل سنة تلو سنة أخرى تزايد عدد النساء في تقلد المسؤوليات في مختلف هيئات أسلاك الدولة، وإننا لعازمون على الإستمرار في هذا الإتجاه.

كما حرصنا من خلال التعديل الدستوري الأخير أن نسجل التزام الدولة العمل من أجل ترقية مساواة الرجال والنساء في سوق الشغل في بلادنا، وإنها غاية تقطع خطوات تلو الأخرى في العديد من المجالات.

هكذا، يحق لنا أن نعتز بإقحام المرأة فضاء الإستثمار، وأن نسجل وجودهن على رأس أكثر من 10 % من المؤسسات الخاصة التي أنشئت خلال السنوات الأخيرة.

ومن جهة أخرى، سمحت البرامج التي وضعتها الدولة لتشجيع تشغيل المرأة، حتى الماكثات في البيوت منهن، بتعزيز دور المرأة في المدن والأرياف وعبر كل ربوع بلادنا في خلق الثروة تكملة لدورها في تربية أجيالنا الصاعدة.

ويمكن لمتتبعي الشأن الجزائري أن يضيفوا لهذه الأمثلة مكتسبات عديدة أخرى حققتها المرأة ومن بينها مكانتها في الفضاء الرياضي الذي شرفت فيه بلادنا في مستويات عالمية.

ويكفينا فخرا، شعبا وقيادة، أن نسجل اعتراف القادة الأفارقة خلال قمتهم في السنة الماضية بنتائج الجزائر، وكذا عائلتنا العربية خلال منتداها في نفس السنة بالأردن، في مجالات التنمية البشرية وترقية مكانة المرأة في المجال السياسي.

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إذا ما كان يحق لنا الإعتزاز وحتى الإفتخار بما شاركت به أسلافكن في تحرير الجزائر وتشييدها، وبما تساهمن به اليوم في صنع مستقبل وطننا، فلا يفوتني كذلك أن أغتنم هذه السانحة لأخاطب ضمائركن وحسكن الوطني وإحساسكن الإنساني أمام التحديات التي تواجه الجزائر اليوم.

ويأتي في المقام الأول، ضرورة تخلص بلادنا من تبعيتها للمحروقات وتذبذب أسعاره في الأسواق الدولية، وهذا يتطلب منا جميعا شعبا ودولة المزيد من الجهد والجد بغية بناء اقتصاد متنوع وذي قدرة تنافسية لكي نواكب بنجاح عالم اليوم ولكي نضمن دوام خيارتنا الإجتماعية العريقة.

وفي المقام الثاني، ما نراه من زعزعة لأركان مجتمعنا ومنها آثار المخدرات والآفات الإجتماعية الأخرى على شبابنا، مما يستوقفنا جميعا ويستوقف الأمهات بالدرجة الأولى، للسهر على حماية أبنائنا وبناتنا من هذه المخاطر، وكذا للمساهمة مع باقي مجتمعنا لإعادة الإعتبار للحس المدني والإبتعاد عن العنف واستعادة الإخاء والمحبة والسكينة في أحيائنا وفي كل ربوع بلادنا.

أما في المقام الثالث والأخير، فإن بؤر التوتر وعدم الاستقرار التي توجد في جوارنا والتي عشش فيها الإرهاب والجريمة العابرة للحدود يشكلان تحديا أمنيا ما يزال قائما في بلادنا، تحديا يغذي بقايا الإرهاب التي ما تزال تطأ أرض الجزائر الطاهرة وتستهدف أرواح وممتلكات شعبها الباسل الذي اختار المصالحة بغية الخروج بالأمس من سعير المأساة الوطنية.

وأغتنم هذه الفرصة لأنوه ببسالة وتضحيات الجيش الوطني الشعبي وقوات أمن بلادنا في تصديهم لهؤلاء المجرمين، وأشيد بانتصاراتهم في هذه المعركة، وأترحم على شهداء الواجب الوطني منهم الذين سقطوا في أداء مهمتهم الشريفة.

إن الإنتصار النهائي على مخاطر الإرهاب والجريمة العابرة للحدود يتطلب تجنيد جميع المواطنين ويقظتهم، وكذا المواطنات اللواتي أناشدهن مرة أخرى اليوم للتكفل بهذا الدور الوقائي حفاظا على أبنائهم وعلى وطنهم.

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إذا كانت جميع الوقفات الإحتفالية أو التذكارية فرصا تسمح لنا بتقويم مسيرة الجزائر عاما بعد عام، فإنها كذلك فرص لتعبئتنا من منطلق النتائج المحققة بغية استكمال بناء جزائر العزة والكرامة، وإن تحسن مكانة المرأة في بلادنا لأحسن مثال في هذا المجال.

مرة أخرى، أقول هنيئا لكن بعيدكن أيتها الأخوات، والذي هو عيدنا نحن كذلك، وأتمنى لكن المزيد من الرقي والسعادة والهناء.

رحم الله الشهداء.