رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة إطلاق القمر الصناعي الجزائري ألكوم سات 1

(الجزائر، الأثنين 8 يناير 2018)

 

بسم الله الرحمن الرحيم،

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين،

أيتها السيدات الفضلياتي،

أيها السادة الأفاضلي،

إن الغبطة لتغمرني، في هذا اليومي و أنا ألمس بكل ارتياحي أن إنشاء الوكالة الفضائية الجزائرية، و مركزها المخصص لتطوير الأقمار الاصطناعية سنة 2012، كان مسعى صائبا و استثمارا لم يذهب سدى إذ أثبتت هذه الهيئة، إثباتا لا يدع مجالا للشك، قدرتها على النهوض بتنفيذ البرنامج الفضائي الوطني الساري إلى غاية سنة 2020، و هو إنجاز جدير بأن يعتز و يفتخر به الشعب الجزائري برمته.

كيف لا و البرنامج قد آتى أُكْلَه بإطلاق جملة من الأقمار الاصطناعية لمراقبة الأرض من جانب البيئة، و تهيئة الإقليم والموارد البيئية والمنجمية و الفلاحية، و العمراني و النقلي وكذا الوقاية من المخاطر الكبرى و تسييرها. كما كان لهذا البرنامج الاستراتيجي الفضل في تكوين الكفاءات البشرية العالية المستوى التي لن تقتصر مهمتها، مستقبلا، على استغلال ما سبق إطلاقه من أقمار و ألكوم سات -1 وعلى استمرار خدمتها و السهر عليها فحسب، بل ستضطلع كذلك بمواصلة تطوير التكنولوجيات الفضائية في الجزائر.

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إن الغاية من استثمارنا في المورد البشري لا تتمثل في تحصيل التكنولوجيات الحديثة فقط، بل تتمثل أيضا في توطينها و التحكم الأمثل في تطبيقاتها من أجل الدخول في طور إنتاج المعرفة و استدرار الثروة لكي نلتحق بمصاف الأمم المتقدمة ،علما أن سيادة الجزائر وحريتها لن تكتملا إلا بتنوير العقول و اكتساب المعارف والعلوم والتكنولوجيات لتحقيق تنميتنا الشاملة. ولا يتأتى هذا المبتغى إلا من شراكات علمية وتكنولوجية مع العديد من الأطراف في العالم على غرار ما تحقق لنا مع جمهورية الصين الشعبية الصديقة.

كان إنجاز قمر ألكوم سات -1 أمرا لا بد منه لسد حاجة بلادنا في مجال الاتصالات بالأقمار الاصطناعية، و البث التلفزي و خدمات الإرسال السمعي و الانترنت ذات التدفق العالي و التعليم عن بعد، وممارسة الطب عن بعد، و غيرها من التطبيقات، و لذلك نعده عملا ملموسا وموفقا جسدنا به إتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعناها في 25 مايو 2014 مع جمهورية الصين الشعبية الصديقة. وها هو اليوم يبرز إلى الوجود لكي يكون أداة لترقية النشاط الفضائي الوطني للأغراض السلمية، أداة نافعة و فعّالة لخدمة تنمية إقتصادنا الوطني.

سيمكن آلكوم سات -1 مختلف المؤسسات الوطنية، من عمومية وخاصة، من الاستفادة من خدمات كانت حكرا على المؤسسات الأجنبية، و كان الحصول عليها يتطلب دفع مبالغ باهظة بالعملة الصعبة وبذلك سيتاح لبلادنا تحقيق استقلالها في هذا المجال الحساس فضلا عن كون الخدمات والتطبيقات التي سيوفرها هذا القمر الاصطناعي نافعة غاية النفع للتنمية الوطنية بمختلف أبعادها الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و غيرها.

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إن الشراكة الجزائرية الصينية قد أجدت نفعا حيث إنها مكنت من تكوين و تأهيل كفاءات بشرية جزائرية، عالية المهارة العلمية والتكنولوجية، ضمت دكاترة و حملة شهادات عليا، و مهندسين في مجالات دقيقة ذات الصلة بتصميم الأقمار الصناعية و إنجازها وإطلاقها و استغلالها، وكذا في تخصصات في مجال تكنولوجيات الاتصالات الفضائية.

إنه لمن دواعي السعادة أننا بتنا نتوفر على هذا المورد البشري ذي الكفاءة العالية الذي نعده أهم نتاج لهذه الشراكة الجزائرية الصينية، حيث إنه أصبح الضامن لمواصلة التنفيذ الأمثل للبرنامج الفضائي الجزائري مستقبلا. في هذا المقام، أجدد شكري إلى شركائنا في جمهورية الصين الشعبية نظير تعاونهم الصادق الذي مكننا من الحصول على المعارف التكنولوجية في قطاع هو من الأهمية و الدقة بمكان.

لذا أدعو الجهات المعنية إلى الحرص على التثمير الأمثل لهذه المعارف المكتسبة حتى يتأتى به التحكم الأمثل في هذا القمر الصناعي ألكوم سات -1 من حيث تشغيله و رصد و مراقبة مختلف أنظمته الفرعية وملحقاته، كما أدعو إلى تطوير المكاسب المحصلة ونقلها إلى المنتسبين الجدد إلى الوكالة الفضائية الجزائرية، و إلى إطارات هيئات الدولة ذات الصلة بمجال الاتصالات الفضائية، و كذا الأقسام الجامعية المختصة فيه.

 

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إنني إذ أهنئ الوكالة الفضائية الجزائرية وطاقمها، بشقيه الإداري والعلمي، نظير هذا الإنجاز التاريخي المشهود، أجدد التأكيد على إمدادها بالدعم المطلوب الذي يجعلها تمضي قدما في رفع كفاءاتها العلمية لتطوير مشاريعها الآتية، وأؤكد إلتزام الدولة بتوفير كل الشروط الضرورية لنجاحها، و ذلك على الخصوص من خلال التحسين المتواصل لظروفها المهنية و الاجتماعية.

أجل، إن الوكالة الفضائية الجزائرية التي استطاعت، بفضل مثابرة فِرَقِهَا العلمية و عزيمة مؤطريها، من تجسيد أهداف البرنامج الفضائي الوطني على أرض الواقعي لجديرة بأن تحظى من لدن كافة السلطات المعنية بكامل الدعم و العناية لكي تتمكن، في الآتي من مراحل مهمتها، من مواصلة تطوير قدرات خدمتها لفائدة البلاد.

إنني أهيب بكل المسؤولين المعنيين أن يسهروا على صون مواردنا البشرية المتخصصة وتشجيعها وإنمائها، من حيث هي نادرة و نفيسة، ولكونها برهنت على قدرة ولوج بلادنا مجال النشاطات الفضائية الاستراتيجي بما سيكون لها من إسهام ملموس في تنمية بلادنا المستدامة و تعزيز سيادتها و مكانتها في حظيرة الأمم.

أما الهياكل المتخصصة التابعة لقيادة الأركان لجيشنا الوطني الشعبي، فإنها أهل للتنويه والثناء. و ينبغي لها الحفاظ على الخبرة التي اكتسبتها إبان عمليات إنجاز القمر الاصطناعي ألكوم سات -1 ومختلف أشكال الدعم الذي قدمته لها، و مواصلة تطويرها.

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

نتطلع بشغف إلى الارتقاء بالتكنولوجيات الحديثة في بلادنا إلى المراتب الأولى عبر العالمي و أن يصبح هذا القطاع الفضائي القاطرة التي تقود غيرها من القطاعات، فذلكم هو المكسب الوحيد الذي يرضي الجزائر و يكون مقابلا لما تغدقه بسخاء من إمكانيات في سبيل ذلك.

إننا نثمن هذا الانجاز، و نعده بداية مشوار جديد علينا خوضه، ذلكم أن الرهان اليومي كل الرهان، يكمن في تحكمنا في التكنولوجيات، وعدم الاقتصار على استغلال ما حبانا الله به من خيرات، هي زائلة لا محالة، و الإجتهاد من أجل ولوج العالم الرقمي الذي أضحى سبيل كل تطور و نجاح أي سياسة.

أدعو مختلف مؤسسات الدولة و هيئاتها و كذا مؤسسات القطاع الخاص إلى الاستغلال الأمثل لما يوفره هذا القمر الاصطناعي من خدمات وتطبيقات في مجالات نشاطها المتعددة. لقد أصبح تطور الاقتصاد اليوم رديف التحكم في التكنولوجيات الحديثة، علما أن اتساع الفجوة بين الدول المتطورة و الدول غير المتطورة إنما هو راجع إلى اختلافها من حيث سرعة تملك التكنولوجيا. وها هم، علماء وكالتنا الفضائية أثبتوا بما وفقوا فيه من إنجازات، أن اكتساب التكنولوجيا وتملكها ليسا علينا صَعْبَيْ المنال، وأنه ليس محكوم علينا أن نحصر مبتغانا في اقتناء أدوات أنتجها سوانا، فلا مناص إذًا لباحثينا و خبرائنا، في جامعاتنا و معاهدنا و في مخابرهم و ورشاتهم، من أن يُفَعِّلُوا تجاربهم و ابتكاراتهم، ويقيموا جسورا بينهم وبين المؤسسات الانتاجية سدّا للهوة الموجودة بين عالم الابتكار و مجال التطبيق الإنتاجي و التسويق و الاستهلاكي و من ثمة الانتقال باقتصادنا إلى التصدير من خارج مجال المحروقات.

و في هذا الصدد، أجدد التزام الدولة من أجل التحكم في التكنولوجيا الحديثة و جعلها في صلب صيرورة التنمية الاقتصادية، بل و محركها الأساس. كما أغتنم هذه السانحة لأدعو الشباب الجزائري، الذي هو محط آمالنا، أن يحذو حذو أعضاء الطاقم العلمي لوكالتنا الفضائية و أن يتأسى بهم فيما تحلوا به من إرادة، و أن يترجمها إلى إنجازات يُرَصِّعُ بها جبين الجزائر في شتى المجالات كل حسب موقعه و مسؤولياته، ذلكم أن تظافر العزائم و الطاقات الحية في بلادنا وحده كفيل بتحقيق تطلعات شعبنا.

ختاما، أعبر مرة أخرى عن اعتزازنا و فخرنا بنخبنا الواعية، و بما تنطوي عليه من آمال واسعة وتطلعات واعدة و استشراف لما يجب أن نكون عليه كأمة سيدة، مؤكدا وقوف مؤسسات الدولة إلى جانبها بصفتها طليعة الأمة و أملها و عماد نهضتها.

أتمنى لوكالتنا المزيد من النجاح في مشاريع طموحة جديدة.

أشكركم على كرم الإصغاء.

والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته.