رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة الذكرى الواحدة و الخمسين لليوم الوطني للبلدية

(الجزائر، الخميس 18 يناير 2018)

 

بسم الله الرحمن الرحيم،

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، و على آله وصحبه إلى يوم الدين،

حضرات السيدات و السادة أعضاء المجالس المنتخبة،

أيها الحضور الكريم،

أهنئكم، بادئ ذي بدء، بإحرازكم ثقة منتخِبيكم، وهي ثقةٌ ليس قدرها بالهين، ثقة تترتب عنها مسؤوليّة جسيمة تقتضي منكم الوفاء بتلك الالتزامات التي قطعتموها على أنفسكم أمام المواطن بأن تتكفلوا بانشغالاته، و تسعوا من أجل تجسيد تطلعاته، لكنكم لستم وحدكم في معترك التنميّة، بل تقف إلى جانبكم مؤسسات أخرى تؤدّي مهامها، و هيئات تقوم بوظيفتها تحقيقا للأهداف المشتركة التي نرومها كلنا خدمة لوطننا المفدى ونهوضا بتقدمه وَ رُقيِّهِ.

إنني أتوجه إليكم برسالتي هذه، لأن لقاءكم هذا يحمل دلالات شتى منها تكريس الإرادة الشعبية، و تعزيز السلطة المحليّة، و إبراز تطوّر المنظومة الوطنية للمؤسسات المنتخبة.

يعود بي لقاؤُكم هذا، إلى أكثرَ من خمسين سنةً خلت، إلى السنوات الأولى لاسترجاع استقلالنا حيث كان هاجسنا الأول هو مَحْوُ رواسب الاستعمار من محيطنا وحياتنا اليوميّة، و التخلّص مما تركه الاحتلال البغيض من نُدوبٍ في ذاكرتنا و وجداننا، و بناء دولة جزائريّة بمعناها ومبناها، دولة تستند إلى مبادئ ثورة أول نوفمبر المجيدة، دولة تُجَسِّدُ أحلام شهدائنا الأبرار. وأبى المخلصون من مجاهدين و أبناء شهداء ومواطنين إلا أن ينخرطوا في ورشة بناء هذه الدولة التي كانوا يَصْبون إلى العيش فيها في كنف العزّة والكرامة والأخوّة.

أجل، كانت أولى أولوياتنا الوفاء لوصيّة الشهداء التي خطّوها بدمائهم الزكيّة، لكي تُبَلَّغ لأبنائهم وأحفادهم، أي أنتم الذين جاء دوركم لتتحملوا نصيبكم من المسؤولية في خدمة المواطن و الدولة. و أنا أدرك جليا أنّ مفهوم التضحية يأخذ مداه في كلّ موقع، فمثلما ضحّى الآباء و الأجداد، و قدّموا أغلى ما كانوا يملكون، فإنّ أجيالا توالت في خدمة الجزائر كان مفهومها للتضحية مرتبطا بالإخلاص للوطن، والوفاء له ولمن أخلصوا في خدمته.

كان همنا أن نَبْنِيَ دولة ديمقراطية واجتماعية، ونتطلّع لتشييد دولة مؤسسات آمنَ أبناؤها بجزائرَ قويّةٍ، متحابّةٍ، متضامنة، في كنف ثوابتها و هويّتها وأصالتها وعبقريّة شعبها.

و لما كان أَيُّ بناء يبدأ من قاعدته، فإنّ أساسه الفرد -المواطن الذي هو رأسمال أمّته بما يقدّمه من قيمة مضافة، ثمّ يرتقي بنيان مؤسسات الدّولة مرتكزًا على البلدية التي كانت و ستظل الخلية القاعدية الضامنة لاستمرارية خدمة السّاكنة، و السعيِ الدّائمِ لتلبية الحاجات التي نُقِرُّ بأنها في تزايد بما أن المجتمع يشهد متغيّراتٍ اقتصاديةً واجتماعيةً و ثقافيةً وسلوكيةً، و العملِ على ترجمة التطلعات إلى واقع والطموحات إلى حقيقة ملموسة.

حضرات السيدات و السادة، أيها الحضور الكريم،

إنّني، و أنا أتحدّث إليكم، أستعيد مراحل التحوّلات التي شهدتها البلديّة، إِبَّانَ السنوات الأولى للاستقلال وما تلاها، من تطوّر في التشريعات، إلى عهد التعدديّة التي اتسمت بدايتها بعنف دموي غير مسبوق، طال ركائز الدولة، و سعى إلى تقويض مؤسساتها بدء باغتيال رؤساء المندوبيات و أعضائها الذين اضطلعوا، بإقدام و بسالة ونكران ذات، و تحملوا بشجاعة مسؤولية إدارة البلديات في ظل الفراغ المؤسساتي الذي شهدته تلك الفترة. لقد غنموا شرف الدفاع عن الدّولة في أصعب الظروف،شأنهم في ذلك شأن الفئات الأخرى الساهرة على حماية المواطن و الوطن.

وإنه لمن دواعي السعادة و الغبطة أن نشهد إلتئام لقائكم اليوم، وأنتم تتقلدون شاراتكم وهي لكم بمثابة أوسمة شرف وشحها إياكم الشعب الجزائريّ الأبي، الذي علق عليكم الأمل وَ تَوَسَّمَ فيكم الخير، فكونوا أهلا لثقته ولا تخيبوا ظَنَّهُ فيكم.

و يزداد فخرنا بأن نرى صفوف مجالسكم معززة في ثلثها بحرائر منتخبات من بين أخواتنا الأبيات اللواتي أصبحن يُسْهِمْنَ بفعالية، جنبا إلى جنب مع إخوانهم الرجال، في معركة التنمية و البناء، و يُضْفِينَ على العمل المحلي روح البذل والعطاء و التفاني في الخدمة العمومية، دائبات على التَّأَسِّي بأسلافِهِنَّ حرائر الجزائر من اللواتي كافَحْنَ، بجانب إخوانهن، إبان معركة التحرر و الانعتاق من نير الاستعمار البغيض.

إنها مكانة انتزعتها بكل جدارة واستحقاق، و على كل منا اليوم، العمل على تثبيتها بل وتعميقها وفقا للقيمة الجديدة التي كرسها الدستور بعد مراجعته الأخيرة.

حضرات السيدات و السادة،

إنكم على عتبة عهدتكم الانتخابية بما تحمله من رهانات جديدة وأخرى متجددة، فمنكم من حَظِيَ بتجديد الثقة في شخصه أو في حزبه ومنكم من آمن بخدمة مواطني بلديته فتقدّم إليهم معلنا رغبته في خدمتهم، وهي مسؤولية يجب على كل واحدة و واحد منكم تقديرها حق قدرها و العمل على الارتقاء بها إلى مستوى تحدياتها. إنّها أمانة، فكونوا أهلا لها، إنّ للتاريخ عينا عليكم و كَلِمَةً يَشْهَدُ بها لكم أو عليكم.

إن انتخاب كُلٍّ منكم لم يكن بنفس السلاسة واليسر، ذلك أن الاستشارة الانتخابية الأخيرة اتسمت بتنافس كبير، إذ أنه من طبيعة الديمقراطية أن تتنافس الآراء والأفكار والبرامج. و لعلّ المكسب الكبير الذي يمكن للجزائر أن تعتزّ به هو إلتزامها بتنظيم الاستحقاقات الانتخابية مُرَاعِيَةً مواعيدها وآجالها.

فقد توجّه الشعب الجزائري إلى صناديق الاقتراع والاستفتاءات المختلفة أكثر من عشرين مرّة، مكرّسا بذلك حقّه في التعبير، وإبداء رأيه، في مُخْتَلِفِ القضايا ذات الصّلة الوثيقة بحاضره و مستقبله.

أيتها السيدات أيها السادة،

يأتي لقاؤكم هذا بعد أيّام قليلة من ترسيم رأس السنة الأمازيغية، يناير، يوم عطلة مدفوعة الأجر، الترسيمِ الذي أردنا به تعزيزَ هُوِيَّتِنَا ووحدتنا الوطنيتين وانسجامنا الثقافي و الاجتماعي، و العزم على التكفّلي على أوسع نطاق، بترقية اللغة الأمازيغيّة مع إقامة المجمع الجزائري للغة الأمازيغية الجاري التحضير لإنشائه وتنصيبه. ومن هذا المنطلق الدستوري، أدعو كل الهيئات والمؤسسات المعنية بأن تمنح الأمازيغية، بمختلف ألسنتها، موقعها الطبيعي في فضاءات التواصل اليومي بالبلديات والمرافق الأخرى، وأن تنظّم دورات مستمرّة للتكوين.

أيتها السيدات أيها السادة،

دعوني بهذه الـمناسبة، أتَرَحَّم على أرواح من فقدناهم من رؤساء مندوبيات تنفيذية وأعضائها ومستخدمي البلديات و الدوائر والولايات، أولئك الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن و بقاء الدولة قائمة صامدة في وجه دعاة التطرف والإرهاب، دونما اكتراث للمخاطر التي كانت تَحِيقُ بهم وبعائلاتهم، يخدمون مصالح الشعب بالنهار و يسهرون على أمنه بالليل.

لم يتوقّف دور هذه الفئة الغيورة على الوطن والمواطن عند حدّ مواجهة أعباء مرحلة صعبة و شاقّة، بل انخرطت بروح وطنيّة عالية، في المسعى التاريخي للمصالحة الوطنية، فكان هؤلاء الذين تصدّوا لأعداء الوطن و الشعبي خلال السنوات الدامية، في مقدمة صف المباركين والناطقين بكلمة الصفح و التسامح أسوة بأسلافهم من أبناء الرعيل الأول للثورة التحريرية عشية الاستقلالي مُكَفْكِفِين الدموع ومشمرين عن السواعد و داعمين لصرح المصالحة الوطنية بكل ما يجنب العودة إلى ويلات الماضي و شروره.

فكل ما تم إنجازه من مرافقَ طيلة المخططات الخُماسية السابقة، لم يكن ليتجسد بدون البلديات ومجالسها المنتخبة. و إنّ ما تم تجسيده من خلال الميزانيات اللامركزية لهو أحسن دليل على دور المنتخبين في التنميّة المحليّة والتكفل بمطالب المواطنين. فبفضل تظافر جهود الدولة مع جماعاتها الإقليميّة تَمَكَّنَّا من تدارك العجز في العديد من الميادين إذ توصلنا، في أقلّ من عقدين من الزمن إلى تحسين كل المؤشرات التنموية و تحقيق كل أهداف الألفية للتنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة. و كلّ هذا ثمرة الأمن و الاستقرار و الشعور بأهميّة خدمة المصلحة الوطنيّة.

أما الآن، و قد خرجنا من متاهة العنف واستأنفنا مساراتنا التنموية القاعدية المحلية، ها نحن مقبلون على مغالبة تحديات جديدة لا تقل أهمية عن سابقاتها، ألا و هي معركة عصرنة المرافق العمومية البلدية، معركة تعميق اللامركزية، ومعركة تحرير المبادرات الاقتصادية و التنموية المحلية.

تلكم هي أولوياتكم في المرحلة المقبلة. إنكم مطالبون بالتحرري أولا كمسئولين محليين، من البيروقراطية و الاتكال في أسلوب تعاملكم مع محيطكم وفي منهجية تسييركم لمصالحكم، والتوجه نحو تحرير المجموعات العاملة من هاته الآفات التي باتت عائقا كبيرا أمام تقدم بلادنا.

إنّ أمامنا، في العالم، نماذج كثيرة، سواء أتعلّق الأمر بنجاحها أو بإخفاقها في امتحانات التنميةّ والتطوّر، فبعض البلدان لم تتمكن من تجاوز صعوباتها بسبب قلة الموارد و الوسائل المتاحة، و بعضها الآخر بفعل الخيارات الخاطئة، بينما تزخر بلادنا بموارد متنوّعة كفيلة بتحقيق الطفرة اللازمة نحو التنمية السريعة، أبرزها الثروة البشرية الـمؤهلة الهائلة، التي يشكّل فيها الشباب القوة الأساس، هذه القوّة، التي تتطلب منا جميعا حسن توظيفها و منحها الثقة لإبراز قدراتها ومهارتها، مع تحرير للمبادرات و تفعيل للأفكار والمشاريع، و بلا شك، فإنّ للبلديات دورًا كبيرا في هذا المجال.

إن بلدياتكم، على اختلافها وخصوصياتها، تزخر بمقومات تنموية ذاتية يتعين على كلّ مجلس منتخب الاجتهاد من أجل إيجاد كيفية تثميرها، و لن يتأتى ذلك من دون تفتحكم على محيطكم و تواصلكم المستمر مع المواطن ومع الفاعلين والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين و المجتمع المدني.

إن المواطن هو المنطلق و الغاية، ويجب أن يكون دوما في صُلب اهتماماتكم. إنه ليس مجرد رقم أو مُرْتَفِقٍ طالبٍ لخدمة عمومية، بل هو شريك كامل الحقوق والواجبات، منه تستمدون شرعيتكم و هو الأدرى بما هو أصلح لمدينته أو قريته أو حيّه، كما كان بالأمس القريب الأدرى بمن سَيُوَلِّيهِ شؤونَه.

إن المواطن هو ذلك الطبيب الضليع بقطاع الصحة والنظافة العمومية والبيئة، وهو المحامي العارف بالمسائل القانونية والقضائية، و هو الخبير بالحسابات و المسائل المالية و الجبائية، وهو الناشط الجمعوي القريب من حاجات المواطن و هواجسه و الإمام الذي يتقاسم مع العائلات أفراحها وأقراحها، وهو المعلّم الحريص على مدرسته وتلاميذه، وهو العائلة التي تدرك معنى الحفاظ على المحيط. إنّهم، أكثر من هذا، مواطنون يشكلون قوة اقتراح، و منجماً للحلول.

لقد ضَمّنَّا الدستورَي أثناء مراجعته الأخيرةِ، أحكاما نصت على ترقية الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي و أردناها مُكَمِّلَةً غيرَ مُنْتَقِصَةٍ من صلاحياتكم تقودون أعمالها بأنفسكم.

تلك هي القيمة المضافة من جملة القيم الديمقراطية النبيلة التي تضمّنها الدستور الجديد قصد تعزيز شرعية الهيئات المنتخبة وتشكيلتها، مكرسين الرقابة المستقلة للعمليات الانتخابية، ترقية المقاربة بالنوع والتسيير الشفاف من خلال الحق في الاطلاع و الحصول على الوثائق الإدارية و حق المساءلة، و هي كلها، وغيرها، مبادئ جاءت لترقية مكتسبات التجربة الديمقراطية للبلاد.

وعلى صعيد آخَرَ، إنني كنت حريصا على أن يتضمن الدستوري من بين ما يتضمن، حقَّ البلدية في الحصول على الموارد الذاتية الكافية التي تُمكِّنها من مواجهة أعبئها، لا سيما تلك الناتجة عن تحويل صلاحيات جديدة، كما كرسنا حق الأجيال القادمة في الاستفادة من ثروات البلاد الحالية و ضرورة الحفاظ عليها في إطار مسعى تنمويٍّ مستديمٍ.

أيتها المنتخبات، أيها المنتخبون،

إني على يقين من أنه لا يمكن للبلدية مواجهة تحدياتها الجديدة دون الاعتماد على النفس وتحرير مبادراتها و تسيير مواردها بنفسها، و هو ما لا يمكن أن يتم دون تعميق اللامركزية.

لقد أصدرت في هذا الإطار، توجيهات للحكومة من أجل تضمين القانونين الجديدين للجماعات الإقليمية و الجباية المحلية، رؤيةً جديدةً تضع المجالس المنتخبة أمام مسؤولياتها كاملة، مانحة إيّاها كل الوسائل اللازمة التي تسمح لها بممارسة صلاحياتها في إطار قانوني واضح و دقيق.

إن هذا التحول يقتضي منكم جميعا التجنّد، وتجاوز الخلافات والمصالح الضيقة، و تعبئة كل الوسائل المتاحة، بشرية كانت أو مالية و مادية، معتمدين على مقومات أقاليمكم و مكوناتها. لقد سبق لي أن إلتزمت بأن أَبْلُغَ بمسار التنمية المحلية إلى مداه حتى تستفيد منه كل جهات الوطن إلى آخر بقعة من التراب الوطني و أنا عازمٌ كلّ العزم على ذلك، و لن أدخر أي جهد في هذا السبيل. و ما القرار الذي وضع حيز التنفيذ من أجل إعادة تفعيل صندوق تنمية الهضاب العليا و الجنوب إلا دليل على ذلك، وإنّ إيماني لكبير بقدرات جنوبنا الكبير ومناطقنا السهبية، تلك هي قوتنا الكامنة، ولا أدلَّ على ما أقول من الطفرة الفلاحية التي تشهدها صحراؤنا اليوم، والتي قطعت الشك باليقين و فتحت الأبواب أمام الاستثمارات الدائمة، التي تتجاوز الربحيّة وتحقيق الإكتفاء.

انطلاقا من هذا الإيمان الراسخ، شرعنا في إعادة تنظيم مصالح الدولة على الصعيد المحلي و أنشأنا ولايات منتدبة بالجنوب تماشيا مع الحركة التنموية التي عمت بلادنا، خلال العشريتين الماضيتين، إيمانا منا بضرورة تقريب الإدارة من المواطن و تركيز جهدٍ تنمويٍّ أكبر على الولايات المنتدبة المستحدثة.

أيتها السيدات، أيها السادة رؤساء البلديات،

إننا على المستوى المركزي نسعى لتمكينكم من كل وسائل النجاح، و السماح لكم بالعمل بفعالية و من تجسيد مشاريعكم الانتخابية بكل حرية و مسؤولية، وذلك في إطار نظرة متكاملة، إذْ لم يبق سوى أن ينخرط الجميع ضمن هذه الرؤية الإستراتيجية والشروع في تنفيذها ميدانيا.

إن المعركة الأولى التي يتعين عليكم خوضها هي مكافحة البيروقراطية والمحسوبية و المحاباة والممارسات غير المطابقة للقانون. فالجهود الجارية حاليا لتبسيط الإجراءات الإدارية و عصرنتها بفضل التكنولوجيات الجديدة للإعلام و الاتصال، يجبُ أن تشكل مرتكزكم الأول.

لقد قطعتم شوطا كبيرا في هذا المجال وفي فترة وجيزة، و أهنئكم بهذا الإنجاز الذي تحقق على أيديكم، لأنه يكرّس الفعالية والجدوى والشفافية، إلا أن الطريق لا تزال طويلة و تقتضي تجندا أكبر على كل المستويات، حتى نقضي على كل التعقيدات البيروقراطية التي أصبحت تكبد اقتصادنا ومستثمرينا تكاليف باهظة، و تعكر صفو العلاقة بين الإدارة والمواطن.

إن العصرنة، هي رافد أساسي لِلاَمَرْكَزِيَّةِ الخَدَماتِ العمومية، فكل النُّظُم الجاري تطويرها سَتُوَطَّنُ على مستوى البلدية و هو ما يلقي على عاتقكم مسؤولية تحضير الموارد البشرية لهذا التحول العميق الذي بدأنا نستشعر جَدْوَاهُ ابتداء من سنة 2012. فبلديات اليوم ليست بلديات الأمس، فالمرتفق بشبابيكها يجد خدماتٍ سريعةً و عصريةً تكفلها حواسيب و تطبيقات معلوماتية متطورة بفضل كفاءاتنا الوطنية من مهندسين و تقنيين منتشرين في البلديات و الولايات.

أغتنم هذه الفرصة، لأنوه بالجهود الكبيرة التي يقوم بها مُخْتَلِفُ الأعوان على المستوى المحلي و أحثهم، بهذه الـمناسبة، على مواصلة الجهد و عدم التواني في مباشرة كل عمل من شأنه التخفيف من معاناة المواطن وعصرنة الإدارة الإقليمية.

إن رهانهم، في الفترة المقبلة، سيكون توسيع مجال العصرنة بحيث يشمل خدمات المرفق العام الجواري واعتماد مبادئ التنمية المستدامة في تسييرها، مرجحين التقنيات المعتمدة على الطاقات النظيفة والمتجددة، و تثمير الموارد البلدية التي يمكن استغلالها اقتصاديا في إطار الاقتصاد الدائري الصديق للبيئة والمحافظ عليها، إضافة إلى اعتماد تقنيات جديدة لتسيير ذَكِيٍّ لـمدننا، اقتصادا للوقت و للمال، وللموارد الطبيعية.

تلكم هي التحديات التي أنتم مقبلون على مغالبتها، وهي كثيرة ومتعددة، لذلك فعليكم التعاون والتعاضد في إطار مقاربة تضامنية محلية، حتى تتمكنوا من تجاوز الصعوبات والعوائق على المستوى المحلي. فبالتضامن ستتمكنون من تجاوز كل الصعاب و من تسريع وتيرة التنمية في مدنكم و قراكم، و بالتالي فأنا أدعوكم إلى توسيع أفق الرؤية، والانتقال سريعا من تنظيم شؤونكم الداخلية على مستوى مجالسكم والتحول نحو أمهات الأمور.

و لتمكينكم من تنسيق جهودكم و التواصل دوريا مع مصالح الدولة في شأنها، قررت أن نَدْأَبَ، من الآن فصاعدا، على سُنـَّةِ عقد الجلسات الوطنية للبلدية كل سنة في يوم 18 يناير مع جعل هذا اليوم يوما وطنيا للبلدية، وذلك عرفانا من الشعب والدولة لدور هذه الخلية القاعدية للدولة في مسار التنمية الوطنية ومسار تعزيز دعائم دولة الحق والقانون.

أيتها السيدات، أيها السادة،

إنّ هذا اليوم، سيكون أيضا مناسبة لتجديد العهد مع شهداء الواجب الوطني وتقويم المسار نحو ما هو أصوب، و تمكين المواطن من النظر إلى البلدية برؤية مخالفة، بلدية دورها كدور خلية النحل العاملة، بلدية تعمل في الليل بينما المواطنون نيام، لضمان النظافة العمومية و الإنارة و إصلاح المنشآت القاعدية، و تَصِلُ الليل بالنهار في تقديم عدد كبير من الخدمات الإدارية والتقنية دون كلل أو ملل.

إني، إذ أهنئكم بعيدكم الوطني هذا، أُهيب بكم أن تكونوا في مستوى رمزيته، و تغالبوا التحديات التي تواجهكم، بنفس الشجاعة والاقتدار اللتين تحلى بهما من سبقوكم.

و ختاما، أغتنم هذه الفرصة لدعوة كل أطياف المجتمع لِلإِلْتِفَاف حول مؤسسات الدولة ودعمها والتجاوب معها، لاسيما منها البلدية، حتى نتمكن سويا من الانتقال نحو تحقيق أهدافنا التنموية و نُنْزِلَ بلادنا المنزلة اللائقة بها في حضيرة الأمم، كما أدعو كل الشركاء السياسيين إلى وضع اليد في اليد وخدمة المواطن و الوطن سويا والنهوض ببلادنا.

وفق الله مسعاكم و سدد خطاكم.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار،

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.