رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة إحياء الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات

(وهران، السبت 24 فبراير 2018)

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين،

 

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

نحيي في يوم 24 فبراير هذا، كلا من ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين عام1956، وذكرى تأميم المحروقات عام1971، وكلا الحدثين على قدر عظيم من القيمة الرمزية.

إننا نحيي ذكرى كل منها، كل سنة، لكي نشحذ عزيمتنا ونقويها على مغالبة تحديات الحاضر و على بناء جزائر الغد. ذلك أن هذين الإنجازين التاريخيين ينطويان على عبرة يجدر بنا أن نتخذها نبراسا في سلوكنا اليومي إذ أنهما يعكسان بصدق قدرة الشعب الجزائري على المغالبة و بلوغ الغاية كلما رام غاية مصيرية حاسمة. و المقصود الآخر من هذا الإحياء هو إلهام شبيبتنا و استنهاضها للإسهام إيمانا و احتسابا في مهمة البناء الوطني.

إن يوم 24 فبراير، إذ يذكرنا بالكفاح البطولي الذي خاضه العمال من أجل تحرير الوطن من ربقة الاستعمار و هبّتهم الباسلة التي بفضلها كسبنا رهان تأميم المحروقات، فإنما كرسته التضحيات التي بذلها العمال والعاملات خلال العشرية النكداء دفاعا عن أداة الانتاج و عن بقاء اقتصادنا صامدا لا تزعزعه ضربات العنف الإرهابي.

إنهم برهنوا بذلك أنهم كانوا وسيظلون جديرين بصون وديعة أبطال الحركة العمالية الوطنية من عيسات إدير إلى عبد الحق بن حمودة. بهذه المناسبة، حري بنا أن نزجي تحية التقدير والإكبار لنساء نوفمبر ورجاله، أولئك العمال والعاملات الذين فتحوا لبلادنا باب الأمل وسبلا جديدة، و كذا للنساء و الرجال الذين تحدوا العنف الارهابي و ضحوا بأرواحهم في سبيل إنقاذ الوطن وإخراجه من تلك المحنة التي اعتورته.

و إن هذه لفرصة أغتنمها لأدعو عاملاتنا و عمالنا، وبالخصوص شبيبتنا، إلى التجند، أكثر من أي وقت مضى، من أجل إنعاش اقتصادنا وبناء جزائر قوية تُؤَمِّنُ لجميع أبنائها العيش الكريم و الشغل.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

إننا نواجه، اليوم، رهانات حاسمة بالنسبة لمستقبل بلادنا. فالأزمة الاقتصادية التي هزت أسس الاقتصاد العالمي و ما تولد عنها من تداعيات متعددة الأبعاد تستوقفنا لِنُحْكِمَ تحديد السبل و الوسائل لكي تتأتى طفرة اقتصادنا.

و يقتضي اضطراب الأسواق النفطية وتداعياته على التوازنات الكبرى لاقتصادنا أن نخرج اقتصادنا من التبعية لإيرادات النفط و نتوجه إلى تنويع مصادر مداخيلنا من خلال استدرار الثروة. لا مناص لنا أن نتأقلم مع التحولات من خلال الارتقاء باقتصادنا ومؤسساتنا و جامعاتنا إلى معايير الامتياز و التنافسية العالمية و البقاء، في ذات الوقت، على منهجنا من حيث السياسة الاجتماعية و التضامن الوطني. وإننا لقادرون على ذلك لأننا نملك المطلوب من المؤهلات و الطموح.

إننا على يقين من أن نفوذ الدول أصبح اليوم، يقوم على قدرتها على الاستباق و تنافسية اقتصاداتها الوطنية القائمة، هي الأخرى، على البحث والتطوير. فلا بقاء سوى للمتفوقين، أولئك القادرين على استشراف المستقبل و الاستعداد لصنعه.

المعرفة، في العالم الجديد هذا، أضحت هي الأساس في خلق الثروات والابتكار هو الذي يخول الامتياز التنافسي للأمم و يفرض نفوذها. إن بلادنا تتمتع بما يكفي من الموارد للقيام بتسريع ناجع لتنميتنا وإنجاح ولوجنا ولوجا فاعلا في الاقتصاد العالمي.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

يتعين علينا إحياء الرمزية النوفمبرية لكي يُنْقَشَ حب الوطن في أذهان شبيبتنا من خلال حثها على الابداع و الابتكار و التنافسية و الطموح إلى التفوق. لقد كلفت الحكومة بإدراج بعث اقتصادنا صوب هذا المنحى بحيث يعبئ القوى الحية للبلاد و يعتمد على طاقة شبيبتنا.

فلا ينبغي لهذه الشبيبة أن تنظر، من الآن فصاعدا، إلى مستقبلها من زاوية تقلبات أسعار النفط. و بالتالي ينبغي لنا، أن نستخلص ما يجب من العبر و نعيد النظر في الاختلالات الهيكلية لاقتصادنا التي كانت سببا في شدة تأذينا من الأزمة التي اعتورت الأسواق النفطية منذ سنة 2014.

إن محل موقع العمال في الجبهة الأمامية لأن الصناعة تقع في صلب عملية الإنعاش الاقتصادي. لذلك فإنهم يمثلون، أكثر من أي وقت مضى، قاطرة التنمية في بلادنا. و تقع المقاولتية، أكثر من أي وقت مضى، في قلب القوة الاقتصادية، و المؤسسة سواء أكانت عمومية أم خاصة هي عتلة التطور الاقتصادي. فبالاعتماد على قدرتها على الابتكار، و التنافسية، وخلق الثروة، ومناصب الشغل، يتسنى لنا تجاوز الأزمة بنجاعة وتصور مستقبل يكون في مستوى امكانياتنا الاقتصادية و البشرية.

لقد أوعزت للحكومة أن تُقَدِّرُ للرهانات قدرها و أن تحدد المحاور الكبرى لمسعى مهيكل على المدى الطويل قصد تحديث النسيج الصناعي و الارتقاء به إلى مستوى المقاييس الدولية في مجال التنافسية و الامتياز التكنولوجي. ويتعين عليها أن تتصرف بعمق في الحَوْكَمَة الاقتصادية لهياكل الدولة والمؤسسات العمومية، وتوفير شروط التناسق للمسارات الصناعية من خلال تشجيع ديناميات الإندماج العمودي لسلاسل القيم و ذلك بتحفيز الابتكار وتكثيف فرص التفاعل و التكامل.

و على القطاع العمومي التجاري أن يضطلع بدور المحرك في هذه الدينامية. و يتعين، في نفس الوقت، تشجيع القطاع الخاص و جعله يستفيد من إجراءات التحفيز على الاستثمار و الابتكار. و القانون الجديد المتعلق بالمؤسسات الصغيرة و المتوسطة يتوخى ذلك و يحدد الآليات الضرورية لإقامة نسيج واسع من المؤسسات التنافسية.

لقد كان انتصار يوم 24 فبراير 1971، و سيبقى، حدثا بارزا في مسار استرجاع سيادتنا من خلال تأميم المحروقات و بروز شركة سوناطراك رائدة فعالة للصناعة النفطية في بلادنا.

لا يجوز للجزائر أن تكتفي بدور المصدر للنفط بل يجب عليها أن تُعْمِل عبقريتها الوطنية لكي تفرض نفسها كفاعل اقتصادي ناجع و تنافسي.

بذلك سنقلص من هشاشتنا أمام التقلبات الطارئة للأسواق النفطية ونجعل من الثروة المتمثلة في المحروقات أداة حقيقية لتنمية بلادنا.

إنني أعلم أن عاملاتنا وعمالنا يكدون من أجل ذلك بنشاط و إصرار، و لذا أؤكد لهم أنني أشد أزرهم بكل قواي و أثق فيما يبذلونه من جهود بإخلاص و روح وطنية عالية.

لا مراء أن الجزائر صارت فاعلا هاما في المجال الطاقوي، فعلينا أن نستفيد من هذا المكسب لكي نطوّر اقتصادا يتمتع بالسيادة و التنوع. من هذا الباب، تسجل الصناعة البتروكيماوية انطلاقة لا بد من مواصلة تشجيعها قصد تثمين محروقاتنا.

على صعيد آخر، إن الإشعاع الشمسي العالي المتوفر لبلادنا يتيح لنا طموحا كبيرا إلى تحول طاقوي إرادي واعد. سيكون مشروع إنجاز 22 جيغاوات الضخم بواسطة محطات شمسية في هذا السياق مشروعا مهيكلا بامتياز سيقوم على أرضية صناعية قادرة على تفعيل عبقريتنا الوطنية تفعيلا كاملا و على خلق الثروة و مناصب الشغل.

إننا نملك، في قطاعات مستقبلية كثيرة، موارد تؤهلنا لأن نلتحق بنادي الكبار و نصبح فاعلا ناجعا في مجال التحول الطاقوي. و إني أولي عناية بالغة لهذا المطلب و أحرص على أن نعتمد موقفا إراديا ومتبصرا تتعبأ له كافة مؤسساتنا و جامعاتنا.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

إن حرصنا على تنمية اقتصاد أكثر تنوعا يدعونا إلى التذكير بالعناية التي لا بد أن تولى لقطاع الفلاحة من حيث هو مكمن هام لمناصب الشغل وكذا مصدر لتحسين الأمن الغذائي في بلادنا.

لا بد لما تملكه بلادنا من مُكَسِّبَات في مجال السياحة أن يشجع متعاملينا على مواصلة تنمية هذا القطاع حتى يصبح مصدرا لا يستهان به للإيرادات الخارجية.

أما اقتصاد الخدماتي الذي ما فتئ يتعزز في بلادنا فهو قطاع واعد سيتيح لشبيبتنا فرصة مغالبة تحديات في مستوى قدراتها، و تدعيم اقتصادنا الوطني برمته بأدوات التحديث الناجعة.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

على الحكومة أن تسهر على ترقية الإنتاج الوطني من خلال تأمين الشروط الكفيلة بتحسين التنافسية وجودة المنتوج الوطني. فعلينا أن ننتهج سلوكا اقتصاديا طموحا يحدوه الحس الوطني يجعل الدولة، بدلا من أن تتقوقع على نفسها في حمائية عقيمة للمؤسسات الوطنية، تؤسس سياستها على تحديث النسيج الصناعي و على التفاعل السليم بين المؤسسات العمومية و الخاصة في كنف احترام الأخلاقيات و المصالح العليا للأمة.

و لا بد، كذلك، من إيلاء العناية التامة لتكنولوجيات الإعلام الحديثة بالنظر إلى تقاطعها مع المنظومة الإنتاجية و أثرها البالغ في تنافسية المسارات الصناعية. و من البديهي أنه لا بد للثورة الرقمية أن تصبح مرتكزا لطموحنا الصناعي والكثير ينتظرنا في هذا المجال. فأدعوا جميع الفاعلين المعنيين إلى الإسهام بقوة في هذا السبيل و لهم أن يجدوا لدي كل الدعم وكذا العناية التي لا تساهل فيها.

لا بد لتنويع اقتصادنا أن يقوم، أكثر فأكثر، على تكثيف النشاطات في مجال التكنولوجيا و النشاطات ذات القيمة المضافة العالية بما يتيح إعادة تغطية صناعية ذات جودة تواكب التطورات الهيكلية للصناعة العالمية.

و لا بد لمبدأ الأفضلية للمنتوج الوطني أن يحكم الطلبيات العمومية وعلينا أن نشجع المنتوج الوطني على الارتقاء في التنافسية و الوصول إلى مرتبة مرموقة في السوق الوطنية و البحث عن منفذ إلى الأسواق الدولية. والحكومة تمنح الأولوية لنشاطات تثمين الموارد الطبيعية في الاستفادة من امتيازاتنا التفضيلية.

و لما كان رأس المال البشري هو مفتاح النجاح والعلامة الدالة على قوة الأمم، فإننا سنسهر بلا توان على أن ترتقي بلادنا، الغنية بطاقاتها الفكرية المتواجدة بين يديها و تلك المتوزعة عبر العالم، ودورها الريادي بجامعاتها إلى الامتياز بمؤسساتها إلى المستوى التكنولوجي العالي.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

لم يكن اقتصادنا في منآى عن التقلبات الحالية للأسواق النفطية التي تضرب كافة البلدان المنتجة. لهذا، عملنا على تعزيز قدرة اقتصادنا على المقاومة بفضل سياسة جريئة لتسديد المديونية، و قد أتت هذه السياسة أكلها إذ أصبحنا قادرين على التصدي لهذه الأزمة بشجاعة و حزم و نحن مطمئنون على ما لدينا من هامش التحرك الذي يتيح لنا انتهاج خطة عمل فعالة للخروج من الأزمة.

و في الوقت ذاته، تواجه بلادنا الاضطرابات المتواترة على حدودنا التي تفرض علينا مقاربات مبنية على اليقظة و الحذر المتواصل بما يترتب عن ذلك من تكاليف اقتصادية يجب إدراكها من قبل الجميع. و هي تقتضي منا التقتير المطلوب في صرف مواردنا و تحثنا على المضي قدما في سياستنا الإصلاحية.

لا بد لهذه السياسة أن تحدد الفروع الاقتصادية المتخصصة و تراعي ترشيد النفقات و الحرص على التنافسية و أرباح الإنتاجية و الصرامة في التسيير. ويبقى الأهم، بالنسبة لنا في هذا المسعى القائم على الصرامة الشديدة في التسيير، هو تجنب الإضرار بذوي المداخيل الضعيفة والتضحية بمبادئ العدالة الاجتماعية و التضامن الوطني التي هي الأساس الذي ينبني عليه عملنا.

لا بد لي، كذلك، أن أذكّر بأن المكاسب الاجتماعية و التخفيض المتواصل لمستوى البطالة، و عديد الانجازات الاجتماعية و الاقتصادية، لم تكن لتتحقق لولا استرجاع السلم و الاستقرار اللذين تمتعت بهما بلادنا خلال السنوات الفارطة.

التنمية كما نتصورها لا يكتمل لها معنى إلا إذا تَوَخَّتْ تحسين ظروف المعيشة للمواطنين في كافة أرجاء الوطن و على الخصوص منهم صناع الثروة ألا وهم العمال على اختلاف فئاتهم. إن شساعة ترابنا الوطني، و إن كانت ميزة لا تنكر، تملي علينا سياسة تنمية ابتكارية تهتم بالعدالة الاجتماعية التي يتعين علينا تحقيقها في ظروف استثنائية يتطلب فيها تنويع اقتصادنا، في حالة الأزمة هذه، انتهاج الصرامة و أخلقة الحَوْكَمَة. و إنني لأولي بالغ العناية لهذه المسائل الاستراتيجية.

لقد أصبح مطلب تنويع الاقتصاد و تنافسيته أكثر إلحاحا في سياق الأزمة النفطية التي نمر بها. غير أن تحقيقه لا يتأتى إلا بالتعبئة القوية لطاقاتنا الحية كلها و لجميع العمال و الإطارات و النساء و الرجال وهم قوة الوطن. وبذلك سنذلل الصعاب و نواصل طريقنا نحو الرقي، و لم أشك أبدا في استعداد الجميع لمغالبة التحدي هذا.

لذا، أهيب بالعمال أن يسهروا على أن يقترن دفاعهم المشروع و اليقظ عن حقوقهم بحرصهم الفعال والمتواصل على أداء واجباتهم و التزاماتهم في هذه المرحلة الحاسمة للغاية من التنمية الوطنية.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،

مرة أخرى، ها هو ذا إحياء يوم 24 فبراير يتيح لنا مناسبة للارتواء من الملحمة التي مكنت شعبنا من انتزاع استقلاله و حريته و تعزيز سيادته الاقتصادية.

إنني اغتنمت شخصيا هذه المناسبة اليوم، لأقاسمكم، أنتم بني وطني وبناته، أفكاري وطموحاتي بالنسبة لتنمية بلادنا الاقتصادية والاجتماعية. وهي حقا طموحات في متناول الجزائري إن نحن دأبنا، أكثر و دوما، على العمل والبناء و حتى التضحية، بتلك العزيمة التي عرف بها شعبنا، و تلك العزيمة التي مكنته، في كل مرة، من مغالبة الصعاب مثلما كان الحال إبان المأساة الوطنية.

لنكن إذن، مرة أخرى اليوم، في مستوى الرهانات والتحديات. ذلكم، ولا ريب، أحسن ما يمكن أن نبجل ونجل به أولئك الذين ضحوا بأرواحهم من أجل استقلالنا و من أجل ضمان منعة بلادنا.