رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة

 

(الجزائر، الجمعة 2 مايو 2014)

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم،

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

وعلى آله و صحبه إلى يوم الدين،

 

 

 

نحتفل هذا العام باليوم العالمي لحرية الصحافة، بعد أيام قلائل من تجديد انتخابي رئيسا للجمهورية، على أساس برنامج تعهدت فيه بمواصلة تعزيز حرية الصحافة في بلادنا.

 

ما انفكت الالتزامات التي آليت على نفسي تجسيدها، في مجال حرية الصحافة  والتعبير، تشهد تطبيقا تدريجيا وفعليا منذ صدور القانون العضوي للإعلام قبل سنتين.

 

لقد مهد النص المرجعي المذكور، بالفعل، لصدور القانون المتعلق بالنشاط  السمعي البصري، مطلع هذاالعام، وهو القانون الذي وضع لأول مرة، في تاريخ بلادنا،  إطارا قانونيا للفاعلين في هذا النشاط، من القطاعين العام والخاص.

 

وسيتواصل، في غضون هذا العام، وبشكل مكثف، المسار التشريعي والتنظيمي المتوخى منه استكمال المنظومة القانونية التي تحكم النشاطات ذات الصلة بقطاع الاتصال، لا سيما منها تلك المتعلقة بتنظيم مهنة الصحافة والمهن المرتبطة بها، وبهيئات الضبط المؤهلة، وتلك المتعلقة بالإشهار وسبر الآراء.

 

إنني أجزم، مرة أخرى، أنني سأحرص على أن يكون كل مسعى تشريعي أو تنظيمي مسبوقا ومصحوبا بإشراك أصحاب المهنة وذوي الاختصاص والخبرة واستشارتهم لبلوغ أوفى قدر ممكن من التوافق والإجماع.

 

هذا، و أجدد التزامي بمواصلة دعم حق المواطن في الإعلام بإصدار النصوص التشريعية والتنظيمية الكفيلة بضمان ممارسته حقه هذا المكرس دستوريا. وستعمل الحكومة، في برنامجها الخماسي 2014-2019، من خلال رصد الموارد المالية اللازمة، على إنجاز المنشآت والتجهيزات الكفيلة بضمان الإشعاع الإعلامي بمختلف  أشكاله، بتسخير ما تحقق من تطور في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال.

 

وستعمل الدولة على تعزيز الخدمة العمومية الإذاعية والتلفزية واستمرارها، بحيث تتماشى مع مقتضيات الساعة، وعلى إعادة تأهيلها لأداء دور ريادي يرقى بها إلى مصاف نظيراتها في العالم.

 

إنني لن أدخر أي جهد لدعم حرية التعبير وتوسيعها على النحو الذي يتيح توفير مزيد من الفضاءات لها، ليس في مجال الحريات العامة فحسب، بل في مجالات التنمية البشرية، وفي المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، في مجالات العلوم والمعارف  كذلك.

 

لقد سهرت و ما زلت أسهر، على أن تمارس حرية التعبير والصحافة بعيدا عن أي ضغط أو أية وصاية أو أي تقييد، اللهم إلا ذلك الذي يمليه الضمير المهني، أو المنصوص عليه صراحة في القانون. فما أقدمت عليه من إصلاحات لم و لن يمس بهذه الحرية  قدر أنملة، والاستثناء يخص ما توجبه قواعد المهنة، أو ما يرتبط بحقوق الإنسان،  وبالأمن القومي أو المصالح العليا للأمة.

 

هذا، وستواصل الدولة تقديم الإعانات للعاملين في قطاع الإعلام وفي هذا الصدد، أدعو الحكومة إلى صياغة الآليات القانونية التي تمنح وفقها هذه الإعانات،  في كنف الشفافية والإنصاف. والحكومة مطالبة، كذلك، بإعداد خطة للتكوين تندرج في مخطط عملها، اعتبارا من السنة الجارية إلى سنة 2019، يتم تنفيذها سنويا، وتشمل، إلى جانب مهن الصحافة،  كل المهن ذات الصلة بالاتصال، وهو ما سيسمح، ولا ريب، بتأهيل كل أسلاك العاملين لمواكبة مقتضيات التطور التكنولوجي والاستجابة للحاجيات المتزايدة في مجال الإنتاج  الإعلامي والسمعي البصري.

 

إن هذا الجهد تفرضه حتميات واقع تطور منظومة الاتصال في بلادنا، هذه المنظومة  التي سجلت، خلال العامين الماضيين، تضاعف عدد الوسائط الإعلامية في مجالات الصحافة  المكتوبة والسمعية البصرية والإلكترونية. ولئن كان هذا الواقع يمثل، في حد ذاته، مؤشرا على حرية التعبير، فإنه يلقي على عاتق الدولة مسؤوليات جديدة بالنسبة لحماية هذه الحرية من أي انسياق إلى التجني بالقذف والأراجيف أو أي إجحاف في حق المواطن، أو الطعن في المؤسسات الدستورية. ولن تتوانى الدولة، في هذا المجال، عن ممارسة كامل صلاحياتها، من خلال سن التشريع والتنظيم لضبط ممارسة حرية الصحافة وتأطيرها بالتساوق مع المعايير والمقاييس المعمول بها عالميا.

 

إن رهانات عالم اليوم تفرض علينا جميعا، وفي المقام الأول على العاملين في قطاع الاتصال، التقيد بأخلاقيات المهنة ومراعاة قواعدها وضوابطها المنصوص عليها في منظومتنا القانونية الوطنية، والمتطابقة مع ما هو معمول به في الأنظمة الديمقراطية. ويسري هذا المقتضى دون استثناء على كافة الوسائط، على اختلاف أشكال نظمها القانونية. والغاية المتوخاة هي الارتقاء بمنظومتنا الوطنية للاتصال إلى مستوى تطلعات مجتمعنا، بما يخدم مصالحه العليا ويلبي حاجياته المتزايدة، في كنف الحرية والمصداقية والاستقرار وبعيدا عن كل مظاهر التنافر والتجني على هؤلاء وأولئك.

 

لقد ثبت اليوم، أن الصحافة ووسائل الإعلام، من حيث الدور الذي تؤديه في بلادنا التي تعمل على استكمال بناء الديمقراطية، باتت فضاء لا غنى عنه للنقاش العمومي، يتيح للرأي العام إسماع صوته. وبحكم هذا الدور، تضطلع الوسائل هذه بمهمة  تتمثل في تربية وتكوين المواطنين وخاصة في توعيتهم بالقضايا الكبرى المرتبطة بتنميتنا  في سائر أبعادها.

 

إنه يقع على عاتق الصحافة ووسائل الإعلام، في الظروف التي هي ظروف بلادنا، أن تتولى مهمة المرافقة والمساعدة في دعم ديمقراطيتنا، على نحو موضوعي وبيداغوجي. فمستقبل الديمقراطية في بلادنا يرتكز على الصحافة الحرة، ذات الكفاءاة المهنية،  الغيورة على المصلحة الوطنية، المتشبعة بروح المسؤولية.

 

إنني أغتنم هذه السانحة لأحيي العاملات والعاملين في حقل الإعلام والاتصال، وأعبر لهم عن خالص تقديري لعطائهم المشهود في سبيل ترقية حرية الصحافة في بلادنا، وأشد على أيديهم مؤازرا لهم فيما يبذلونه من جهود محمودة تجسيدا للمثل السامية  التي يدعو إحياء هذا اليوم إلى اعتناقها والعمل بها.