رسـالـة  رئيس الجمهورية  بمناسبة

الاحتفال باليوم الوطني للطالب

(باتنة، الأثنين 19 مايو 2014)

 

بسم الله الرحمان الرحيم،

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

وعلى آله و صحبه إلى يوم الدين،

 

إنّني لفي غمرة من السعادة و أنا أحتفي معكم بذكرى يوم الطالب، هذه الذكرى التي تخلد يوم 19 مايو 1956 التاريخي المشهود، اليوم الذي أقدم فيه طلبة الجزائر على الدخول في خضم محاربة الاحتلال، إذ أعلنوا للعالم أجمع، في بيانهم المدوي الشهير، و بوضوح لا لُبس فيه، عن انحيازهم لشعبهم و انتصارهم لقضيته العادلة من أجل تحرير الوطن و تخليصه من براثن استيطان أجنبي بغيض طال أمده، فجمعوا بين السيف و القرطاس و القلم، و ضربوا أروع الأمثلة في التضحية و الفداء.

 

في مثل هذا اليوم من سنة1956، الذي وشاه الطلبة الجزائريون حُلَّة لا تبلى و نقشوه غرة وضاءة في جبين الزمن، هبَّ أسلافكم من الطلبة، ببسالة منقطعة النظير، فغادروا المدرجات في الجامعة و مقاعد الدراسة في الثانويات والتحقوا بصفوف الثورة و انتشروا في ربوع الوطن للذود عن شرف الأمة، و استبدلوا قاعات الدرس بكهوف الجبال و أغوارها، و الأقلام بالبنادق و الرشاشات، و استبدلوا حال الراحة بحال صمموا فيه ألا يهدأ لهم بال حتى تقر أعينهم بوطن حر مستقل و أهل أعزة كرام.

 

لقد كان ذلكم القرار الثوري الذي اتخذوه خير تجسيد لمستوى الوعي الوطني و النضج السياسي و الإيمان الراسخ بالواجب الذي لا يصدر إلا عن نخبة متشبعة بحب الوطن و مؤمنة بقضيته. بالفعل، كان أولئك الطلبة على إدراك تام بأنه لا فائدة من العلم ما لم يُسخر في عتق الإنسان و تخليصه من مهانة الرق و العبودية.

 

من ذاك المنطلق، دافعوا ببسالة أسطورية عن حرية الإنسان و الأرض، و حبروا أنصع صفحات المجد، و صنعوا أروع الملاحم في الدفاع عن الحق في الحياة الحرة الكريمة، و زوَّدوا مسار ثورتنا التحريرية بما اكتسبوه من علوم و معارف، و بلغوه من حس وطني  و إدراك سياسي، فأسهموا بجدّهم و كفاءتهم في إنماء نجاعة الفعل التحرري و زيادة فعاليته.

 

لقد كان لموقفهم الثوري ذاك صداه الإعلامي الواسع في العالم، فاستلفت اهتمام الهيئات و المنظمات الدولية و تداولته الأوساط الدبلوماسية، و ثبتت بذلك الشهادة و الحجة الدامغة على أن الشعب برمته مصمم على المضي في ثورته في سبيل تحرير وطنه، مهما كلفه ذلك من تضحيات و ما تطلبه من مكابدة و معاناة.

إن اندفاع أولئك الطلبة الجماعي للانخراط في صفوف الثورة سفَّه المُرْجفين الذين كانوا يدَّعون أن شريحة واسعة من هذه النخبة مفصولة، بحكم واقعها الجديد و ما ظفرت به من حظوة التعلم، عن المجتمع الذي أنجبها، و أنها، بالتالي، ستجنح إلى تفضيل مصلحتها الضيقة و مستقبلها المتميز.

 

لقد انضم الطلبة إلى أبناء أمتهم من الفلاحين و العمال و البطالين، رجال و نساء من كل الأعمار، في المدن و في الأرياف و البوادي و في مطارح الصحاري، وفي ديار الغربة و في كل مكان، جميعهم يكافحون من أجل غاية مشتركة و ينضمون إلى القافلة العظيمة، قافلة "نساجي العلم الوطني" على حد قول الشاعر الأديب المرحوم مالك حداد.

 

كان ذلكم هو الاختيار الفاصل الذي حسم فيه طلبة الجزائر في مطلع الثورة، أثناء المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، المنعقد في 4 يوليو 1955، و نفذوه عاما بعد ذلك، في التاسع عشر مايو1956 ، عملا بتوجيهات الثورة  و وفق مقتضياتها.

 

كان ذلكم استجابة لأمل ما فتئ يراود هذه الفئة المستنيرة، و إيذانا بالتجاوب الكامل، نضاليا و فكريا و إيديولوجيا، مع بيان أول نوفمبر  1954.  و مبادئ ثورة التحرير، التي اعتمدت على جميع شرائح الشعب الجزائري و مكوناته، و تجسيدا لالتزام الجميع بما قرروه، و هو أن المساهمة في المعركة التي يخوضها شعبهم هي فرض عين ، و أن التفرغ لها هو واجب مقدس يهون كل شيء دونه.

 

و قد أثبت هؤلاء و غيرهم من أبناء الجزائر المخلصين، طيلة سنوات الثورة، و إبان المفاوضات السرية و العلنية مع المحتل، بأنهم أنداد أشداء، وأبطال متفوقون أمام خصومهم، ذادوا بالسلاح في ساحات الوغى كذودهم بالكلمة الصادقة و الرأي السديد عن الوطن، و عن حق  شعبهم الثابت في الحرية و السيادة .

 

فإلى جميع هؤلاء الطلبة الذين أسهموا في استعادة مجد الجزائر و في تحريرها، و تفانوا من أجل أن تعيش آمنة قوية، إلى كل الطلبة الشهداء و كل رفاقهم في الشهادة، أرفع تحية الإكبار و التجلّة في هذا اليوم الأغر، و بهذه المناسبة الغالية التي نستقي منها العبر و نستلهم أسمى مُثُل التضحية و أنبلها التي تحثنا على بذل ما وسعنا بذله خدمة لوطننا و تحقيقا لتطلعات أمتنا إلى غد أفضل، يكون أكثر تقدما و استقرارا و ازدهارا، في عالم لا مكان فيه للكسالى و المتقاعسين.

 

إنّ الجزائر، إذ تحتفي بهذه الذكرى الخالدة، إنما تعبر عن وفائها للذاكرة الجماعية التي صنعتها كل الأجيال و كل فئات الشعب.. و إنّنا، بهذا الوفاء لرسالة الشهداء الأبرار، نترجم مدى تشبث الجزائريين بوطنهم و مدى حرصهم على وحدته و تماسكه و مدى صونهم لكرامته و عزته.

 

انطلاقا من خياراتها الأساسية المتمثلة في ضمان ديمقراطية التعليم و مجانيته، و تحقيق مبدأ تكافؤ فرص الالتحاق بالتعليم بمختلف أطواره، لم تدخر الدولة الجزائرية جهدا، عبر كل المراحل، في سبيل النهوض بتربية الناشئة و تأهيلها و إدماجها. و لم تتوان في فتح الآفاق رحبة لتكوين الطلبة و تدريب الشباب و مدهم بالمعارف العلمية و المهارات الفكرية التي تمكنهم من مغالبة التحديات بثقة و اقتدار، و تسمح لهم باستيفاء متطلبات عالم متغير، تحكمه التنافسية و جودة الأداء.

 

إنّ ما تمّ تحقيقه، خلال السنوات الأخيرة، من إنجازات في مجال التعليم العالي، يجعلنا نقرّ جازمين أنه يمثل مكاسب غير مسبوقة لفائدة الأسرة الجامعية و العلمية الوطنية. و لا أدل على ذلك من توسع شبكة التعليم العالي و الشبكة الخدماتية المرافقة لها التي أصبحت تغطي اليوم كل ولايات الوطن. ذلك أن الدولة عمدت إلى هذا الخيار قصد تقريب الجامعة من المواطن و فتحها على أوسع فئات المجتمع التواقة إلى التعلُّم الذي أقبلت عليه إقبالا عارما، بعد أن حرمت منه طيلة العهد الاستعماري البائد، الأمر الذي يوفر بيئة حاضنة ملائمة تسمح للطلبة بمزاولة دراساتهم الجامعية، و بلوغ أقصى ما تسمح به قدراتهم في مجال تحصيل العلوم و المعارف و تطبيقاتها التكنولوجية في شتى التخصصات و الحقول المعرفية، بعيدا عن كل إكراه مادي أو عائق اجتماعي.

 

يجب أن نعترف، رغم ذلك، أننا ما زلنا لم نمتلك، بعد، كل النواصي التي من شأنها أن تتيح دخولنا بقوة إلى مجتمع المعرفة و مواكبة الابتكارات التي أصبحت تتوالى كل يوم، و هي من قوام بناء اقتصاد المعرفة الذي هو وحده القمين بالتمكين من إنجاز وثبة النهوض و التقدم و احتلال الموقع الذي نطمح إليه بين الأمم. لذلك، فإن الأمل معقود على أبنائنا لتعزيز شروط نهضة أمتهم و الدخول بها إلى مصف الكبار.

 

إن مساهمة الشباب المتعلم و صب مواهبه في بناء الحاضر هو من أبرز المطالب الوطنية و أكثرها إلحاحا . و لكي يصبح الطرف الأساسي الفاعل في بناء هذا الحاضر، فإنه من الواجب الحرص على بذل المزيد من الاهتمام و العناية لتأمين مشاركته الفعلية و الجادة في هذا المسار.

 

و إذا تبين أن القواعد التنظيمية و التشريعية الراهنة، إلى جانب المؤسسات التي تم إنشاؤها بغرض إقحام هذه الفئة في مسار النهوض و التقدم، ليست كافية لتحقيق الغرض المطلوب، فإن الإرادة موجودة للذهاب أبعد مما هو متاح في الوقت الحاضر، على أن يكون ذلك في إطار من التشاور و الحوار .غير أن هذا كله ، لا يغني عن مشاركة المعنيين أنفسهم الذين ينبغي أن يتحلوا بإرادة ذاتية و رغبة جادة في تحقيق ما تنتظره الأمة منهم و الذي يعود عليهم، في ذات الوقت، بكل ما يصبون إليه من الخير و الفائدة و يحسن أوضاعهم و يضمن رقيهم الإجتماعي.

 

إننا عملنا و سنعمل، من خلال ما تمّ إقراره من خطط و برامج و ما يجري تنفيذه من إصلاحات، على أن تتواصل الجهود، و تسخر الإمكانات من أجل تطوير الجامعة و إعلاء مكانتها و إذكاء اشعاعها في المجتمع.  و لا شك أن المسؤولية الاجتماعية للجامعة، في المرحلة القادمة، تقع في صلب التحولات التي عقدنا العزم على خوض غمارها، برصانة و تبصّر، من أجل تعميق مسار الإصلاحات السياسية و الاقتصادية، و ترسيخ الديمقراطية، و توسيع نطاق الحريات الفردية و الجماعية، و تعزيز المشاركة المجتمعية، حيث يُنتظر أن تضطلع الجامعة، بما تحوزه من قدرات فكرية و علمية و ما تطفح به من طاقات شبابية و نخب، بالدور الريادي في هذا المجال، تساوقا مع ما يجري في العالم من تحولات عميقة تبيّن للقاصي و الداني تبوُّأ التقدم العلمي و الابتكار التكنولوجي المكانة الفضلى فيها.

 

و لا نخفيكم أنّنا نتطلع بشغف إلى ارتقائم بجامعاتكم إلى المراتب الأولى و تبويئها محل الصدارة بين الجامعات المتفوقة عبر العالم. و هو المكسب الوحيد الذي يرضي الجزائر و يكون مقابلا لما تغدقه، بسخاء و أريحية، من إمكانيات على أبنائها الطلبة والباحثين. إنها لا تطلب منهم غير العمل بجدّ و إخلاص و تميّز، مع الحرص على التمكن من مفاتيح علوم العصر و تقاناته، و من بينها التحكم في اللغات الأجنبية.

 

يجب على مؤسساتكم ألا تتوانى عن الاستثمار في اقتصاد المعرفة، بحضور قوي و منتج.. فالمعرفة سوق مربحة، و هي ثروة نفيسة و دائمة. هذا، و ينبغي العمل على تطوير مهام الجامعة، بما يعزز من دورها في الاستجابة لمتطلبات التنمية و حاجات المجتمع، فضلا عن مهامها الأكاديمية و البحثية، مع الحرص على أن يترافق هذا التطوير مع بعث أنماط جديدة من التعلّم، بما في ذلك إنشاء قناة تلفزية جامعية تتولى نشر المعرفة و إشاعة الثقافة العلمية.

 

و لا مناص، في هذا السياق، من تعزيز التوجهات العلمية و التكنولوجية، لأن الحاجة إليها ماسّة و الطلب عليها ملحّ. لقد اتسم هذا العصر بالنزعة العلمية الزاحفة حتى في مجال الاجتماعيات و الإنسانيات و الفنون. و هو ما يضعنا أمام موازين دقيقة تشجع كل التخصصات و تنهض بالفعل التعليمي و الحضاري بناءً و تراجعه حسابا و تقييما. و إن الدولة لعازمة على إيلاء بالغ الأهمية لهذا التوجه و تعزيزه، بدءًا بالتكوين و وصولا إلى أخذ أيدي أصحابه إلى عالم الأبحاث و التطبيقات و التطويرات.

 

و على الدرب ذاته، سنواصل ترقية أقطاب الامتياز، من خلال توسيع شبكة المدارس الوطنية العليا و الفروع ذات التسجيل الوطني، لفائدة الطلبة، وذلك ضمن تخصصات تُراعى فيها، خاصة، نوعية التأطير، و أنساق التكوين و محيط البحث، وعيا من الأمة بقدر أدمغتها و علوّ كعب المتفوقين من أبنائها.

 

إنّني مدرك تمام الإدراك المصاعب الظرفية التي قد يواجهها بعض شبابنا، و في مقدمتهم الشباب المثقف، في مجال التشغيل. و إننا، بحول الله، ماضون في تذليل هذه الصعوبات. فهناك عقبات موضوعية أحيانا و مختلقة أحيانا أخرى، لكنها لن تثنينا عن عزمنا، بل إنها ستزيدنا مضاء و تصميما و إصرارا.

 

إنّ اهتمامنا مركز على جنوبنا، بكل نواحيه، عزما منا على الاستجابة إلى حاجاته الهيكلية و المادية و البشرية، عدلا بينه و بين بقية أنحاء الوطن، كما و نوعا. و أنا أعلم أن الجميع يقدر حجم العزيمة والصبر الذي يتطلبه مثل هذا التعمير، بكل ما يقتضيه ماديا و معنويا.

 

و إذ أعلم أنّ حملات التيئيس المستعرة قد تنال من البعض منهم،  فإني أدعو شبابنا عامة، و طلبتنا خاصة، إلى بناء الأمل، و الثقة في النفس، و التطلع إلى المستقبل بتفاؤل. ذلك أن المقاصد التي ننشدها هي الارتقاء بالفعل التعليمي و البيداغوجي إلى أعلى المعايير، و ضمان تكوين نوعي للكفاءات و النخب يتساوق والمقاييس الدولية، في جامعة عصرية متطورة، مندمجة في النسق الاقتصادي و الاجتماعي، و متفتحة على المحيط الإقليمي و الدولي، تستهدف النوعية و الجودة، و ترعى الامتياز، وتشجع الابتكار و الإبداع.

 

إنّ الجزائر أمانة في أعناقنا جميعا، و هي وديعة الشهداء وضعوها بين أيديكم، فحافظوا عليها، و عضّوا عليها بالنواجد، و عززوا صونكم لها بالعلم و العمل و الإخلاص فيهما.

 

أرجو لكم التوفيق على درب أسلافكم طلبة  19  مايو 1956 ، و أدعوكم إلى الادلاء بدلوكم في المحافظة على سيادة الوطن، و وحدته و استقراره و رفع صرحه عاليا شامخا حصينا.

 

         عبد العزيز بوتفليقة